محمد باقر الملكي الميانجي
60
مناهج البيان في تفسير القرآن
قالوا : فنقول : مجنون . قال : ما هو بمجنون . لقد رأينا الجنون وعرفناه ؛ فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته . قالوا : فنقول : شاعر . قال : ما هو بشاعر . لقد عرفنا الشعر كلّه ؛ رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه ؛ فما هو بالشعر . قالوا : فنقول : ساحر . قال : ما هو بساحر . لقد رأينا السّحّار وسحرهم ؛ فما هو بنفثهم ولا عقدهم . قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : واللّه إنّ لقوله لحلاوة . وإنّ أصله لعذق . وإنّ فرعه لجناة . . . وإنّ أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر جاء بقول سحر يفرّق به بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وعشيرته . فتفرّقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبل النّاس ، حين قدموا الموسم ، لا يمرّ بهم أحد إلّا حذّروه إيّاه وذكروا لهم أمره . فأنزل اللّه تعالى في الوليد بن المغيرة وفي ذلك من قوله : « ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً . وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً . وَبَنِينَ شُهُوداً . وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً . ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ . كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً » [ المدّثّر ( 74 ) / 11 - 16 ] وفي تفسير القمي 2 / 393 ، قوله : « ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً » فإنّها نزلت في الوليد بن المغيرة . وكان شيخا كبيرا مجرّبا من دهاة العرب . وكان من المستهزئين برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله . وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقعد في الحجرة ويقرأ القرآن . فاجتمعت قريش إلى الوليد بن المغيرة فقالوا : يا أبا عبد شمس ما هذا الّذي يقول محمّد ؟ أشعر هو أم كهانه أم خطب ؟ فقال : دعوني أسمع كلامه . فدنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فقال : يا محمد أنشدني من شعرك . قال : ما هو شعر ولكنّه كلام اللّه الّذي ارتضاه لملائكته وأنبيائه . فقال : أتل عليّ منه شيئا . فقرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله حم السجدة ، فلمّا بلغ قوله : « فَإِنْ أَعْرَضُوا » - يا محمد أعني قريشا - « فقل » لهم « أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ » [ فصّلت ( 41 ) / 13 ] قال : فاقشعرّ الوليد وقامت كلّ شعرة في رأسه ولحيته . ومرّ إلى